قراءةٌ في العدد المزدوج (26 ـ 27) من مجلّة الاجتهاد والتجديد      أبان بن تغلب      من أحكام الوضوء      شهرة كفاية الغسل مرّة في التطهير من بول الرّضيع      قاعدة السلطنة      النوافل المرتبة في لسان الشارع المقدس      حلية الذبائح      السيد هاشم بن السيد أحمد السلمان      الحيض وأحكامه (1)      فقه التمثيل النيابي (دراسة في الأسس والمباني) 3      المنع من السفر في الشريعة الإسلامية 2      جامع المدرستين المحقق البحراني : الشيخ يوسف بن الشيخ أحمد آل عصفور      الِولاية على المرأة (البِكر أنموذجاً)      المنع من السفر في الشريعة الإسلامية 1      رسالة في منكر الضروري 3   

قائمة المراسلات
كي تكون على صلة بأخبار وجديد الموقع وكي تصلك نشرة الموقع .. سجل معنا

 الاسم:
 
 البريد الإلكتروني:
 

اشتراك
انسحاب

احصائيات

المتواجدون الآن: 2
زوار الموقع 2313062

أعداد المجلة / العدد الثاني
الحضانة والولاية على الصغير
الشيخ: عبدالعظيم نصر المشيخص | 2010-06-01| Hits [3182]

ليس هناك شك من أن الصبيان وهم براعم المستقبل ، وهم المؤهلون للتكليف الشرعي لاحقاً ، يحتاجون ـ أكثر من غيرهم ـ إلى عين تحفظ مصالحهم الشخصية وحقوقهم المادية والأدبية، وبطبيعة الحال فإن حقوق الصبي والصبية تدخل ضمن الإطار الشرعي الذي جاء به الإسلام ، فأمر بحفظها رعاية لمصلحتهما وحفظاً لشخصيتهما الاجتماعية حتى يصلا مرحلة الرشد والبلوغ ، وهذه الحقوق تشمل أحكاماًُ في الولاية ،والوصاية، والعبادات، والمعاملات .ولعل الشارع المقدس ، يتهم بهذه المرحلة من حياة الصبين لأنه ينظر إلى هذه المرحلة من حياته على أنها الأساس في بناء الفرد والمجتمع،لذلك اهتم بأمر الصغير وتربيته، فشرع له من الأحكام ما يحفظ عليه نفسه وما تستقيم به أخلاقه ونظم كل ما يتصل بشأنه تنظيماً عادلاً ومتكاملاً حتى يزول عنه ضعفه ويستطيع الاعتماد على نفسه.

يقول د.أحمد فراج أستاذ القانون بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية:"إن المشرع فرض على الوالدين أو من يقوم مقامهما الولاية على الطفل بمجرد ولادته حياً وإلزامهما القيام بصيانته وحفظه وتربيته وتعليمه ووزع الأعباء عليهما كل فيما يصلح له ويتناسب مع طبيعته، وهذه الولاية لا تزول عن الصغير حتى يبلغ سن الرشد النفسي وزيادة في توفير المناخ الطبيعي للطفل كان الحق في هذه الولاية في مرحلتها الأولى للنساء لأنهن بحكم الفطرة الإلهية أشفق وأصبر على القيام بمهامها من الرجال وأقدر على حفظ الطفل ورعايته وإعداد غذائه وإطعامه وإلباسه والإشراف على منامته ومداعبته والقرب منه لسد حاجاته الأولية واليومية العاجلة"([1]).

من هنا: سنناقش المسألة من حيثيات متعددة، لكي يتضح لنا جميعًا، أن الشارع المقدس عندما فرض هذه الأحكام، فرضها لمصلحة الصبي أولا، ومن ثم لمصلحة الأسرة والمجتمع ثانياً.

و لعلّنا نذكر أهمية هذه المسالة عندما نقف عند تعاليم الإسلام، ونقرأ الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي نصت على بعض الأحكام الشرعية، التي تعُنى بهذه المسألة من كافة حيثياتها الشرعية.

وإذا وقفنا عند اهتمام الشارع المقدس بهذه المسألة ، نرى أن الفقهاء الإسلام تعرضوا لهذه المسالة من حيثيات متعددة:

فتارة من حيثية ولاية الآباء والأجداد ، ومن حيثية ولاية الوصيّ والسيّد والحاكم ـ عليهم في الأموال والنفوس والحقوق ـ في أ نّها ثابتة مطلقاً ، أو مشروطة بشرائط ، وهل يكون للصغيرين بعد بلوغهما ورشدهما خيار أم لا؟

و من حيثية اشتراط لولاية الجدّ ببقاء الأب أو يُشترط موته؟

ومن حيثية متى تنتهي الولاية عليه ؟ وبماذا تسقط؟

وهل يعتبر في تصرّفهما رعاية المصلحة للصغيرين ، أو يكفي عدم المفسدة؟ و . . .

 للجواب عن هذه الأسئلة والتحقيق في أدلّة موضوعاتها عقد فقهاء المذاهب الإسلامية، هذه الأبواب ، وتشتمل على فصول:

 الفصل الأوّل: في ولاية الأب والجدّ .

 الفصل الثاني: في ولاية المولى والسيّد .

 الفصل الثالث: في ولاية الوصيّ .

 الفصل الرابع: في شرائط الأولياء .

 الفصل الخامس: في ولاية الحاكم .

 الفصل السادس: فيما يترتّب على تزويج الصغيرين .

 الفصل السابع: في ولاية الأب والجدّ على أموال الصغار .

 الفصل الثامن: في ولاية المولى والوصيّ على أموالهم .

الفصل التاسع: في ولاية الحاكم وعدول المؤمنين على أموالهم .

 والفصول الخمسة الأولى في الولاية على تزويج الصغار ، والثلاثة الأخيرة على أموالهم .

ولكي نقف على أحكامها إجمالاً في (فقههم المقارن) عند المذاهب الإسلامية، نقول:

أولاً: الآيات القرآنية الكريمة:

ومن النصوص القرآنية التي اُحتج بها في هذا المقام للاستدلال على أهمية الولاية، ومن له أحقية الولاية ؟ وفي أي مرحلة من مراحل عمر الصغير تنفصل ولاية الحضانة عنه؟ آيات كثيرة منها هذه الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ([2]).

وفي قوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}([3]).

 وقوله تعالى: { ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}([4]).

وقوله تعالى:{ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } ([5]).

وغيرها من الآيات الكثيرة التي تبحث في ثنايا جذور العلاقات الزوجية.

ثانيا:  الأحاديث الشريفة:

وهي كثيرة نذكر منها خبر حولاء العطارة، قالت: قال لي رسول الله1: > يا حولاء، ما من امرأة تكسو زوجها إلا كساها الله يوم القيامة سبعين خلعة من خلع الجنة، كل خلعة منها مثل شقائق النعمان والرياحين، وتقضي يوم القيامة أربعون جارية تخدمها من الحور العين.

 يا حولاء، والذي بعثني بالحق نبياً ورسولاً ومبشراً ونذيراً، ما من امرأة تحمل، وتضع، وترضع إلاّ بين يدها نوراً ساطعاً يوم القيامة، يقول لها الحق جلّ ذكره: أيتها المرأة قد غفرت لك ما تقدم من الذنوب، فاستأنفي العمل([6]).

وعن الحلبي عن أبي عبدالله الصادق $ قال: المطلقة ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي أحق بولدها أن ترضعه بما تقله امرأة أخرى، إن الله تعالى يقول:{ لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}([7]).

وقال الصادق $: عن علي $، أنّه قال: قال لي رسول الله 1: > يا علي لا تجبر المرأة على رضاع ولدها، ولا ينزع منها إلاّ برضاها، وهي أحق به أن ترضعه <([8])، وحتى نقف عند اهتمام الشارع المقدّس بالطفل، بخصوصية تشريع هذه الأحكام الشرعية، لابدّ من الوقوف عند تعريفها، فنقول:

تعريف الحضانة:

الحضانة لغة:

وهي مصدر الفعل (حضن بفتح الحاء، حضن الصبي – بفتحتين) أي تحمل مؤونته وتربيته.

 والحضن بالكسر ما دون الإبط إلى الكشح، أو الصدر والعضدان وما بينهما، وجانب الشيء وناحيته، وجمعه: أحضان، وحَضنَ الصبي، حضناً، وحِضانة بالكسر، جعله في حضنه، أو رباه كاحتضنه([9]).

والحاضن: اسم فاعل، والحاضنة الموكلة بالصبي تحفظه وتربيه، وحاضنة الصبي، التي تقوم عليه في تربيته، والحَضانة، مصدر الحاضن، والحضانة، وهي التربية والرعاية للصغير.

الحضانة في اصطلاح الفقهاء:

تُصنف حضانة الصغير في مدارك الفقهاء تحت عنوان( الولاية الخاصة) وهي الولاية التي يطلق عليها في مصطلحاتهم بـ ( الولاية التربوية) وهي منبثقة من الولاية الخاصة التي يقع أعباء حمل مسؤولياتها على الطبقة الأولى وهي الأب والأم، والجد للأب، والحاكم الشرعي، والغاية منها المحافظة على الطفل، وتربيته، ورعاية مصلحته، قال الشهيد الثاني في المسالك: وهي بالأنثى أليق منها بالرجل لمزيد شفقتها، وخُلقها المعد لذلك، باعتبار أنّ أفضل ما يرضع به الصبي هو لبن أمه؛ لأنه أكثر ملاءمة لمزاجه وأنسب لطبعه، حيث كان غذاءً له، وهو في بطن أمه، قال الإمام الصادق$: قال الإمام علي$: > ما من لبن يرضع به الصبي أعظم عليه بركة من لبن أمه <([10])

ولأهميته، فقد ذهب الفقهاء في تعريفه بتعاريف شتى منها:

1-    المذهب الإمامي:

بحسب تتبع أقوال بعض فقهاء الإمامية، أنّه قال: "لم نعثر على تعريف للحضانة في كلمات الفقهاء إلى زمان العلاّمة الحلّي قُدّس سره  في القرن السابع حيث عرّفها العلاّمة، وبعده سلك بعض الفقهاء طريقه وعرّفوها في مباحثهم" ([11]).

قال العلاّمة في القواعد: الحضانة ولاية وسلطنة على تربية الطفل([12]) . وبمثل هذا قال الشهيد في المسالك ([13])، والمحقّق الطباطبائي في الرياض([14])، والظاهر أنّ هذا التعريف يشمل غيرها أيضاً، مثل الولاية على النكاح والمال  وغيرهما ، مضافاً إلى أنّه ليس في شيء من الأدلّة ما يقتضي ذلك ; ولذا قال  في الجواهر ردّاً على هذا التعريف: وفيه: "أنّه إن كان المراد أنّها ولاية كغيرها من الولايات التي لا تسقط بالإسقاط ، وأنّه يجب على الأم مراعاة ذلك  على وجه لا تستحقّ عليه الأجرة ـ كما صرّح به في المسالك ـ منهما ليس في  شيء من الأدلّة ما يقتضي ذلك ، بل فيها ما يقتضي خلافه، كالتعليق على مشيئتها ، والتعبير بالأحقيّة... إلى أن قال: وعلى كلّ حال فأصله الحفظ والصيانة..."([15]) .

ولعلّه يستفاد من ظاهر كلامه هذا أنّها حقّ، كما هو الظاهر من كلام الفاضل الهندي ([16])، والمحقّق البحراني ([17])، ولكن قال في ذيله كلاماً يظهر منه رجوعه عنه ، وأنّها بمنزلة الحكم; لأنّه قال: ما ذكر «أي في الرياض» من عدم إجبار الأب واضح الضعف ([18]) .

وقال بعضهم: الظاهر أنّ الحضانة بمعناها اللغوي والعرفي، والمستفاد من الأدلّة ولاية الأب والأمّ عليها في الجملة ، وليس الحضانة نفس الولاية ، بل الولاية ثابتة على الحضانة، فمع عدم قيام الأم لا تسقط ولايتها بل تثبت للأب ، كما أنّه مع عدم قيام الأب تكون لغيرهما، ومع عدم قيامهما ثابتةً للحاكم، ومع عدم قيام الحاكم لمانع تثبت لعدول المؤمنين([19]) .

والظاهر أنّ مقصوده قُدّس سره أنّ المستفاد من الأدلّة وجوبها مطلقاً على الأمّ أو الأب أو الحاكم أو عدول المؤمنين، كما سنوضّحه إن شاء الله، وعلى أيّ تقدير فإنّ الحقّ أن يقال: إنّ الحضانة في اصطلاح الفقهاء، هي الولاية والسلطنة على تربية الطفل وما يتعلّق بها من مصلحة حفظه وجعله في سريره وتدبير شؤونه وكحله وتنظيفه ونحو ذلك ([20]) . وهي من الأمور الطبيعية التي جعلها الله تعالى في ذات الإنسان، بمعنى أنّ الآباء والأمّهات يسعون في حفظ الأولاد وصيانتهم وتدبير شؤونهم وتربيتهم على التربية الصحيحة، انطلاقاً من حبّهم لهم ومسؤوليتهم في تنشئتهم حتّى نراهم يقدّمونهم على أنفسهم .

ومال إليه صاحب المسالك([21]) بقوله: هي ولاية على الطفل والمجنون لفائدته، وما يتعلق بها من مصلحته، من حفظه، وجعله في سريره، ورفعه، وكحله ودهنه، وتنظيفه، وغسل خرقته وثيابه، ونحوه وهي بالأنثى أليق منها بالرجل، لمزيد شفقتها وخُلقها المعد لذلك بالأصل([22]).

وهو التعريف المرتكز عند الإمامية بالقول بأنها ولاية من حق الأم والأب، والغاية التي من أجلها جعلت للأم والأب؛ لأنّها ولاية تخولهما في حال الحياة، وتخوّل الجد في حال الحياة برعاية الصغير رعاية خاصة وعامة مما يُعدّه أن يكون رجلاً راشداً بالغاً متعلماً متخلقاً إلى غير ذلك، ومن بعدهم للحاكم الشرعي، أو من ينوب عنه.

قال الشيخ مغنيه قُدّس سره في كتابه فقه الإمام الصادق$: الحضانة للأم والأب، ما لم يقع الطلاق، فإن طلقها، فالأم أحق بالذكر حتى يكمل الحولين من عمره، وأحق بالأنثى حتى تكمل سبع سنين([23])، حكى على ذلك رأي المشهور بين فقهاء الإمامية بشهادة صاحب الجواهر قُدّس سره في كتابه جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام([24]).

2-    وعرفها فقهاء المذاهب الأربعة:

 بأنّها هي: حفظ من لا يستقل بأموره، كالكبير وتربيته بما يصلحه ويقيه عما يضره، والظاهر أن ارتكاز تعريف الحضانة عند المذاهب الإسلامية هو: الارتكاز اللغوي والعرفي.

 (أ) المذهب المالكي:

هي الكفاءة والتربية والقيام بجميع أمور المحضون ومصالحه، وهي فرض كفاية لا يحل أن يترك الطفل بغير كفالة، كما ذهب إلى القول الشيخ الدسوقي بقوله: هي حفظ الولد والقيام بمصالحه، أي حفظ الولد يعني مبيته وذهابه، ومجيئه، والقيام بمصالحه من طعام ولباس وتنظيف وغيرها([25]).

(ب) المذهب الحنبلي:

هي كفاية الطفل وحفظه من الهلاك، والإنفاق عليه وإنقاذه من المهالك([26]).

حاصل ما تقدم:

 مما تقدّم من التعاريف اللغوية والفقهية نقف عند تعابير مختلفة للحضانة، أهمها: أنّها الولاية التي تخول للولي رعاية المتولى على أكمل وجه شرعي، بالخصوص حاجياته الضرورية من التعليم والتغذية والعلاجات والتربية والتخلق.

ملاك الحكم في مسألة الحضانة:

اختلفت آراء الفقهاء في هذا الملاك، فهل الحضانة حقّ، أو واجب؟ وماذا يترتب عليهما في حال ثبوت أحدهما؟ وما هي الآثار والأحكام المترتبة على ذلك عند الفقهاء؟

وقبل الخوض في غمار هذه البحث نحتاج إلى معرفة ما معنى الحقّ، وما معنى الواجب؟

تعاريف لا بد منها:

الحق، ما هو؟

الحقّ لغةً:

هو الصدق، فقولهم: له الحقّ في تملك هذه العين، أي يجوز له ذلك، ولا يجوز لأحد مزاحمته.

 وله حقّ الولاية، بالكسر، أي له السلطة في الولاية، فيمنع ويجيز ضمن حدود ولايته.

 وحقّ قابل للإسقاط: هو كل حق يجوز لصاحبه أن يتنازل عنه، كحقّ الاختصاص، وحقّ النفقة الثابت للزوجة، وحقّ التأليف والاختراع.

 وحق قابل للنقل: هو الحق الذي يجوز لصاحبه أن يتنازل عنه للآخرين، على أن يصبح الآخر هو صاحب الحق، كحقي الاختصاص والتحجيز.

 وحقّ الناس: هو ما كان للناس في ذمته، من ديون أو ديات ونحو ذلك.

 وحقّ الله: هو ما كان في ذمته لله تعالى، كالواجبات، أو العقوبات من حدٍّ، وجلد، ونحو ذلك.

 والحقّ الشرعي: والحقوق الشرعية، هي الأموال الواجب إخراجها كالزكاة، والخمس([27]).

و ذكر الإمام الشيرازي قدس سره  في كتابه الحقوق كلاماً مفصلاً، إليك ملخصه:

 الحقّ مفرد من حقوق، وهو عبارة عما يلزم الإنسان له أو عليه، فرداً عاش أو في المجتمع، فإنّ الفرد أيضاً له الحقّ كالانتفاع من أشجار الغابة وحيوانات البحر والجو، وعليه الحقّ لله سبحانه وتعالى، وحقّ نفسه على نفسه، وحقّ الحيوان، وحقّ الجماد وغيره.

كما أنّ الفقهاء أسهبوا في الحديث عنه في مظانه العلمية، إلاّ أنّهم قالوا: إنّه إذا أطلق الحقّ يراد به الأعم من الواجب، وقد يطلق ويراد به المقابل للواجب، فيقال الحقّ في قبال الواجب، فالواجب على الأجير العمل، وحقّه في الأجرة، كما قد يطلق ويراد به في قبال الملك أو نحو ذلك.

وقد يطلق ويراد به بمعناه الواسع الشامل للملك والحقّ غير الملك من المنفعة والانتفاع، وملك أن يملك، فالأول كملك الدار، والثاني كحقّ الشفعة والإجارة أو حقّ الانتفاع من مكانه في المسجد، أو في المدرسة، أو ما أشبه([28]).

ما معنى الواجب ؟

الواجب: هو اللازم، وهو أحد الأحكام التكليفية، ومعناه الفعل الذي يلزم علينا فعله ولا يجوز لنا تركه.

 وهو من الأحكام التكليفية الخمسة، كما اصطلح عليها علماء الأصول بقولهم: ينقسم الحكم التكليفي، وهو الحكم المتعلق بأفعال الإنسان والموجه لها مباشرة إلى خمسة أقسام، وهي كما يلي:

1-   الوجوب: وهو حكم شرعي يبعث نحو الشيء الذي تعلق به بدرجة الإلزام، كوجوب الصلاة، والصوم، ووجوب إعالة المعوزين على ولي الأمر.

2-   الاستحباب: وهو حكم شرعي يبعث نحو الشيء الذي تعلق به بدرجة دون الإلزام، ولهذا توجد إلى جانبه دائماً رخصة من الشارع في مخالفته، كاستحباب صلاة الليل.

3-       الحرمة: وهي حكم شرعي يزجر عن الشيء الذي تعلق به بدرجة الإلزام، نحو حرمة الربا، وحرمة الزنا، وبيع الأسلحة إلى أعداء الإسلام.

4-   الكراهية: وهي حكم شرعي يزجر عن الشيء الذي تعلق به بدرجة دون الإلزام، فالكراهة في مجال الزجر، كالاستحباب في مجال البعث، كما أنّ الحرمة في مجال الزجر كالوجوب في مجال البعث، ومثال المكروه: خلف الوعد.

5-   الإباحة: وهي أن يفسح الشارع المجال للمكلف لكي يختار الموقف الذي يريده، ونتيجة ذلك أن يتمتع المكلف بالحرية، فله أن يفعل وله أن يترك.

كما أنّهم قسموا الواجب باعتبار المأمور به إلى قسمين هما:

1-        الواجب المعين: وهو المطلوب بالذات، ولا بديل يجزي عنه، كالصلاة والزكاة.

2-   والواجب المخيّر: وهو الواجب المطلوب على سبيل التخيير بين أمرين، أو أمور معلومة، كأحد خصال الكفارة، فإنّ الواجب واحدة منها لا بعينها، فإن ترك المكلف الجميع فقد عصى تكليفاً واحداً، وإن فعل واحدة من الخصال خرج عن عهدة التكليف، وإن فعلها جميعاً، فالواجب ما أتى به أولاً، والباقي ندب.

وهم ودفع:

 فقد تعرض بعض علماء الأصول إلى دفع الشبهة القائلة: إنّ المفروض في الواجب المخير جواز تركه، فكيف نجمع بين وجوب الفعل وجواز الترك؟

وأجيب عن ذلك بما يلي:

إنّ الشارع الحكيم محال أن يكلف الإنسان ما لا يعزم عليه بالنية أو الفعل، بل يترك له الاختيار في التصرف والتوجه بفعله، وهذا من البديهيات؛ إذ إنّ الإنسان لا يعزم على فعل من غير العلم به، ولا يتجه إلى مجهول مردد بين شيئين أو أكثر، وإذا استحال ذلك في حقّ الإنسان، فإنّه يستحيل أيضاً في حق الشارع أن يطلب منه ما يعجز عنه؛ لأنّه تكليف بما لا يطاق، هذا أولاً.

وثانياً: إنّ المطلوب من المكلف في هذا الواجب (الواجب التخييري) هو كلي الواحد ومفهومه العام الشامل لأفراد الواجب المخير ومصاديقه، فإذا جاء بأحد أصناف المطلوب سقط ما في ذمته من حق([29]).

 ثم إنّهم قسموا الواجب إلى تقسيم آخر، وهو:

1-   الواجب العيني: وهو الواجب باعتبار الإتيان به من نفس المكلف المخاطب به، أي فرض عين على كل مكلف أن يأتي به، كالصلاة اليومية الواجبة، والحج، والصدق، والوفاء بالعهد، ونفقة العيال، وكف الأذى عن الآخرين، وغيرها.

2- الواجب الكفائي: وهو الواجب الذي إذا قام به بعض المكلفين سقط عن الباقي، كالجهاد، والأمر بالمعروف، والقضاء، والإفتاء، ورد السلام إذا كان على جماعة، وتجهيز الميت،  والصلاة عليه، وتعليم الأمور الدينية، والصناعة، وما شابه ذلك.

كما أنّهم قسموه تقسيماً آخر، وهو:

1-                الواجب المؤقت: وهو الأمر المعين بوقت خاص.

2-                الواجب غير المؤقت: وهو الواجب الذي لم يشترط في الإتيان به بوقت معين خاص.

الحضانة حق أم واجب ؟

اختلفت أقوال فقهاء المذاهب الإسلامية في كون الحضانة حقاً أم واجباً بالنسبة للأم والأب معاً، ولعلّنا لا نتمكن من إعطاء محصلة الأقوال قبل الوقوف تماماً على أقوالهم، وفيما يلي ملخص لبعضها:

1-       فقهاء الإمامية:

أجمع فقهاء الإمامية على أن الحضانة حقّ مشترك بين الآباء والأمهات، كما حكى إجماع الإمامية، العلامة بن فهد الحلي قُدّس سره عندما قال: إنّ الحضانة مشتركة بين الأب والأم، بينما ردّه صاحب الجواهر بقوله: إنّ الحضانة من حقّ المرأة، فعلى الأم إرضاعه، وعلى الأب الأجرة والولاية، وتربيته بينهما بالسوية، وهذا ما يُفهم من حيثية الرواية التي استدل بها ابن فهد الحلي، ولو رفضت الأم إرضاعه وجب على الأب أن يبحث عن مرضعة له.

 وقال صاحب الموسوعة الفقهية الإمام الشيرازي قُدّس سره: مقتضى القاعدة: "إنّ الرضاع ليس بواجب لا على الأب ولا على الأم إذا أمكن بقاء الولد بدونه كالحال الحاضر، بل والسابق حيث يمكن تغدية الطفل من سخلة، أو نحوها، فإذا كانت التغذية موقوفة لأمثال ذلك لم يجب الإرضاع على أحد، وإذا وجب في الجملة، فهو في مال الطفل إذا كان له مال، ولم يكن هناك متبرع أو وقف، أو نحوهما؛ إذ إنّ وجوب الإنفاق على الأب خاص بصورة عدم وجود مال للولد ونحوه، وإذا لم يكن له مال كان واجباً على الأب؛ لما دلّ على وجوب إنفاقه على الأولاد، وإذا لم يكن مال للأب، ولا متبرع، ونحوه، وجب على الأم من جهة وجوب الإنفاق عليها لا من جهة الرضاع، فتغذيه باللبن، أو غيره مباشرة أو تسبيباً، ولا يخفى أنّ الأم إنّما تصل نوبة النفقة عليها بعد عدم وجود الجد.

ويدُلّ على وجوب النفقة على الأم، ما في رواية أمير المؤمنين$: خذوا بنفقته أقرب الناس منه في العشيرة، كما يأكل ميراثه، إلى غير ذلك من الروايات" ([30]).

محصلة  ما تقدم:

إنّ الرضاع والحضانة حقّ للأم، وواجب على الأب، وإذا تخلت عنه الأم يجب على الأب إرضاعه (على خلاف في المسألة)، ولكن له الولاية عليه، والبحث له عن مرضعة ترضعه وتهتم بشؤونه، وواجب على الأب التربية والرعاية، وفي حال فقدهما تكون الولاية للجدّ من الأب، ومن بعده للحاكم الشرعي، إن لم تكن هناك وصية من الأب، أو الجد.

 ولو تزوجت الأم، بغير الأب مع وجوده، سقطت حضانتها للنص، والاجماع([31]).

2-       فقهاء الحنفية:

ذكر الإمام شمس الدين السرخسي في كتابه الفقهي المبسوط([32])، عن رأي الفقه الحنفي في هذه المسألة، حيث قال: اختلفت أقوالهم فيها إلى ثلاثة أقوال وهي:

1-   إنّ الحضانة حق للأم، فلا تجبر عليه، ولها الامتناع عن القيام بها، فهي بهذا حقّ خاص يسقط بالإسقاط، وجعل حقّ الحضانة إلى الأمهات لرفقهن في ذلك مع الشفقة، وقدرتهن على ذلك بلزوم البيوت، والظاهر أنّ الأم أحقّ وأشفق من الأب على الولد، فتتحمل في ذلك من المشقة ما لا يتحمله الأب، وفي تفويض ذلك إليها زيادة منفعة للولد.

2-   إنّ الحضانة حقّ للصغير، فليس لها الامتناع وتجبر عليها، فالحضانة بهذا تصبح واجباً غيرياً، وإلى هذا ذهب أبو الليث السمرقندي وخواهر زاده، والهنداوني إلى أنّ هذا النوع من الحضانة واجبة على الأم.

3-   إنّ الحضانة حقّ للأم وللصغير، فإن وجد من يقوم بها لا تجبر الأم، وإن تعينت فليس لها الامتناع، وحقّ المحضون أقوى، وهذا القول هو المعول عليه، وعليه الفتوى، وبهذا تكون الحضانة واجباً كفائياً، فإذا تعينت لا حقّ لها في الإسقاط، وعليه فإسقاط الزوجة حقها في الحضانة عند المخالعة مردود، فالمخالعة واقعة، والشرط باطل؛ لأنّه مضيعة لحقّ الصغير، أما حقّ الحاضنة فلا يقوم على أساس التفريط بحقّ الطفل الذي هو أقوى الحقين، أما أنّ الأم لا تجبر عند امتناعها عن القيام بالحضانة مع وجود من يقوم بها ممن هو أهل لها، فذلك لعدم ضياع الطفل وحقّه في الرعاية وعدم هلاكه، ووجود اليد الأمينة التي تقوم على حسن تربيته.

وعلى هذه محصلة الأقوال الثلاثة، القول إن الحضانة عند فقهاء الحنفية واجبة وتلزم بها الأم.([33])

3-       فقهاء الشافعية:

الحضانة عند الشافعية حقّ خاص يسقط بالإسقاط، إلا في حالة واحدة، حيث تكون واجباً تعينياً، وهي أن تكون الحاضنة إمّا مسؤولة عن نفقة ولدها؛ لانعدام الأب والمال، والمنفق غيرها، فليس لها إسقاطه حرصاً على تربية الولد وتنشئته، وإسقاط حقّها، لايسقط حقّ أمومتها في الحضانة، يقول الإمام الشافعي: إذا افترق الأبوان وهما في قرية واحدة، فالأم أحقّ بولدها ما لم تتزوج.

  وعليه تبقى الأم محتفظة بحقّها في حضانة البنت الصغيرة بعمر خمس سنوات، حتى لو زوجها أبوها، وهو قول ابن حجر الهيثمي في فتواه، حيث سُئل ابن حجر عن الأم المطلقة الحاضنة، وسقوط حضانتها عن البنت وعمرها خمس سنوات إذا زوجها والدها؟

فقال: لا تسقط حضانة الأم بذلك.

وعلّق على ذلك بعض الباحثين بقوله: في هذه المسألة تداخل بين حقّ الحضانة للأم، وحقّ الولاية للأب على ابنته ضمن مدة الحضانة، فالأب له الزواج ولا يبطل، ولكن لو طلبت الصغيرة للدخول، فالظاهر أن ليس للزوج صحة العقد، وعدم جواز الدخول حتى تبلغ الصغيرة مبلغ الوطء، وتبقى حتى ذلك الوقت في حضانة الأم([34])

4-       فقهاء المالكية:

فقد ذهبوا في بيان حقيقة الحضانة إلى ثلاثة أقوال، كما ذهب الأحناف، وهي:

1- إنّ الحضانة حقّ خاص للأم، لها التنازل عنه، وإسقاطه والأخذ به في شرط المخالعة لو اشترط إسقاطها، وذلك ما نص عليه الإمام مالك بقوله: إذا خالعها على أن يكون الولد عنده فالخلع جائز.

 وأمّا الأمة ففيه قولان: الجواز، وعدم الجواز، والأولى عندهم عدم الجواز.

2- إنّ الحضانة (واجب كفائي)، لو قام به واحد من أهلها سقط عن الباقين، وقد عبّر عنها الرهوني بقوله: فالحضانة فرض كفاية إن قام به قائم سقط عن البقية.

3- إنّ الحضانة واجب تعييني على الأب، وليس للأب ترك الولد إذا لم يوجد من أهلها من يقوم بها، وهي كذلك واجبة على الأم في حالة معينة، كما لو كان الأب مفقوداً، أو بحكم المفقود، أو في حال عدم قبول الصغير ثديها، فتتعين عليها في حولي الرضاعة، وقد صرح بذلك الرهوني بقوله: لا يتعين إلاّ على الأب، وعلى الأم حولي الرضاعة لمن لم يكن له أب ولا مال، أو كان يقبل غيرها، وبمثله العدوي على أنّه يقتضي التنويه إلى وجود قول لبعض المالكية أنّ الحضانة حقّ للأم وللولد، وهو واحد من ثلاثة أقوال للأحناف([35]).

فقهاء الحنابلة:

ذهب فقهاء الحنفية في أحقّية الحضانة، أو وجوبها إلى قولين:

الأول: المشهور والمعمول به، أنّ الحضانة حقّ خاص، وهو المعتمد أيضاً عند الشافعية، والمالكية بقيد، واحد من ثلاثة أقوال عند الحنفية.

 فإن تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها، ففيها وجهان:

1-        تنتقل إلى الأب؛ لأنّ أمها فروع عليها في استحقاقها، عندما أسقطت حقّها سقط حقّ الفروع.

2-        تنتقل إلى أمها، وهو أصح؛ لأنّ الأب أبعد، فلا تنتقل الحضانة إليه مع وجود أقرب منه.

فالأم لا تجبر على الحضانة، وقد صرح بذلك الحجاوي بقوله: وإنّ امتنع من له الحضانة منها، أو كان من له حقّ الحضانة غير أهل للحضانة، انتقلت إلى من بعده، وإن كان الحجاوي في مكان آخر أكد على أنّ الحضانة حقّ خاص للأم، لها الامتناع عنه، أو إسقاطه، كما ذكر ذلك صاحب كتاب الأشباه والنظائر([36]) .

وأمّا الثاني: ما نقله اليهوني في الكشاف، عن ابن القيم الجوزية، وهو: إنّ الحضانة حقّ للحاضنة وعليه، إذا احتاج الطفل لها ولم يوجد غيرها، وهو أحد أقوال المالكية، وقول للأحناف والشافعية أيضاً ([37]).

الحضانة عند المسيحية:

ورد في الشريعة المسيحية أنّ من له حقّ الحضانة هو الأم، وإذا لم تتوفر في الأم شروط الحضانة، أو توفيت، كانت للجدّة من الأم، أو الجدة من الأب، أو الأخت، أو الخالة، أو العمة، أو بنت الخالة، أو بنت العمة.

ومن الرجال إذا لم يكن الأب موجوداً فالجدّ الصحيح، ثم الجدّ من الأم، ثم العم، ثم الخال، أو الأولاد من الذكور بنفس الترتيب، وإذا لم يتوفر أحد من هؤلاء، اختارت المحكمة حاضنة خاصة تدير شؤون الطفل.

وعند اليهود الربانيين تثبت الحضانة للأم، وإلاّ فللأب، فلأم الأب، فلأم الأم، وذلك كله ما لم تر المحكمة غير ذلك([38]).

المستحقون للحضانة:

يناقش هذا البحث عدة وجوه ذكرها الفقهاء في مباحثهم الاستدلالية، باعتبارها من الأركان المهمة التي تعتني بشؤون المحضون، وتخص شؤون الحاضن، فبدونها لا نتمكن أن نحدد مسؤولية الحاضن، وكذا لا نتمكن أن نحدد أهم الشروط الشرعية التي ينبغي أن يتصف بها الحاضن، وما هي حدود مسؤولياته إزاء المحضون.

 وهذه المسائل الفقهية الشائكة كغيرها من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفقهاء، باختلاف الأُسس التي بنوا عليها آراءهم الاجتهادية.

ولكنهم اتفقت كلمتهم على تقديم الأم على الجميع في حضانة الصغيرات إذا اجتمعت فيها شروط الحضانة، واختلفوا في مراتب المستحقين غيرها، ولكل رأي اجتهادي حجته ودليله، إذ عدّ بعضهم تقديم الأم سبباً لتقديم أمومتها، ومنهم من لم يأخذ بذلك وعده حالة مقيدة بالأم فقط لا تتجاوزها، ولا تنتقل الحضانة إلى أقل مرتبة حتى يعدم وجود من يسبقهم بمرتبة من أهل الحضانة، وقد أخذت قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية بهذا القول، أو ذلك وفقاً لما تراه هو الأصلح.

 ولعلّ اهتمام المشرع بالأم بتحمل مسؤولية (الحضانة) وإعطائها الأهمية بالدرجة الأولى؛ لأنّها اللبنة الأولى في رعاية الأطفال نحو حياة أفضل، ليصبحوا فيما بعد عناصر بارزة وفعالة في المجتمعات.

 ذكر رسول الله 1 الجهاد فقالت امرأة: يا رسول الله 1 ما للنساء من هذا شيء؟

 فقال 1: بلى، للمرأة ما بين حملها إلى وضعها، ثم إلى فطامها من الأجر كالمرابط في سبيل الله، فإن هلكت فيما بين ذلك كان لها مثل منزلة الشهيد([39])

وعلى أيّة حال سوف نتعرض في هذه العجالة إلى مراتب الحاضن وفق آراء فقهاء المذاهب الإسلامية، وهي كما يلي:

فقهاء المذهب الإمامي:

ناقش فقهاء المذهب الإمامية المسألة في باب أحكام الأولاد، الذي من فروعه أحكام الرضاع، والحضانة، وقد قسموا أبحاث المسألة إلى أقسام، كل قسم بحسب رتبته الشرعية بالمحضون، فتأتي الأم أولاً، ثم الأب، وهما أولى من كل الأقارب مطلقاً، وفي حال فقد أحدهما كان الآخر أحقّ بالولد مطلقاً ذكراً كان أم أنثى من جميع الأقارب إلى البلوغ.

 ففي حال فقدان الأب تكون الأم أحقّ من الوصي، أي وصي الأب بالابن الذكر، وكذا بالبنت بعد السبع، كما هي أحقّ من الأقارب وإن تزوجت، والمسألة ـ أي: إذا تزوجت ـ محل خلاف كما سيأتي.

كما أنه لو فقدت الأم في حال حضانته مع وجود الأب، كان هو أحقّ بالحضانة من غيره، وهذا هو ظاهر الاجماع عليه.

تفريعات على المسألة:

لو ارتد الأب، أو كانا كافرين، فأسلمت الأم، كانت الحضانة لها دونه؛ ولذا قال في الجواهر: وكذا لو كان الأب مملوكاً، أو كافراً، كانت الأم الحرة المسلمة أحقّ بهما وإن تزوجت([40]).

 إذا فُقد الأبوان:

ثم إنّهم قالوا: إذا فقد الأبوان، فالحضانة من حقّ أب الأب؛ لأنّه أب في الجملة، فيكون أولى من غيره من الأقارب؛ ولأنّه أولى بالمال، فيكون أولى بالحضانة

 وإذا فقد الأب أو ما يقوم مقامه عند عدمه ولم يكن له وصي، فالحضانة لأقارب الولد على ترتيب الميراث، الأقرب منهم يمنع الأبعد، ومع التعدد والتساوي كجدة الأم، وجدة الأب، وكالعمة والخالة يقرع بينهما مع التزاحم والتشاح، فمن خرجت القرعة باسمه كان أحق بالحضانة إلى أن تموت أو تعرض عن حقه.

حضانة الأقارب:

ثم إنّ في حال فقدان الأبوين، فالحضانة لأب الأب، فإن عدم قيل: كانت الحضانة للأقارب ورتبوا ترتيب الإرث؛ نظراً لقوله تعالى: { وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} ([41]).

وإذا لم يكن هناك وصي لأحد من الأب والأم لكي يقوم مقامهما في حقّ الحضانة، يكون الحقّ للأقارب حسب مراتب الإرث كما جاء في قوله تعالى: }وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ {، ويكون الحقّ بين كل الأقرباء الذين يرثونه حسب مراتب الإرث؛ لأنّها كسائر الحقوق التي إذا تركها الميت تكون لوراثته على ما ذكروه في المباحث الفقهية المختصة بباب الإرث.

واستدلوا بعد الآية السابقة بالروايات عن النبي 1 وأهل البيت#، التي منها:

(1) جاء عن الرضا $، عن آبائه #، عن النبيّ 1، أنّه قضى بابنة حمزة لخالتها، وقال: الخالة والدة ([42])

(2) رواية ابن أبي جمهور في درر اللئالي قال: وفي الحديث: أن النبي 1 حكم في بنت حمزة لخالتها دون أمير المؤمنين علي $ وجعفر، فقد طلباها؛ لأنها ابنة عمهما جميعاً، وقال أمير المؤمنين (ع) عندي بنت رسول الله 1 وهي أحق بها، فقال النبي 1 : ادفعوها إلى خالتها فإن الخالة أم([43]).

وعلى هذا تمسك به صاحب المسالك إذْ قال: أنه لو فقد الأبوان فقد اختلف الأصحاب في حكمهم اختلافاً كثيراً، فمنهم من عدى الحكم فيهما إلى باقي الأقارب والأرحام على ترتيب الإرث لعموم قوله تعالى: } وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ { فإن الآية تشمل الإرث والحضانة وغيرهما؛ ولأن الولد مضطر إلى التربية والحضانة، فلابدّ في الحكم من نفس الأقارب، والقريب أولى من البعيد منهم.

 علق على ذلك صاحب الموسوعة الفقهية السيد الشيرازي  بقوله: "وعلى هذا ، فمع فقد الأبوين ينظر في الموجود من الأقارب وبقدر لو كان وارثاً ويحكم له بحق الحضانة ، ثم إن اتحد اختص، وإن تعدد أقرع بينهم؛ لما في اشتراكها من الأضرار بالولد، وهذا القول هو المعتمد" ([44]) .

 

 القرعة في حال الاشتراك:

وإذا اتفق  واجتمعت الحضانة لمن تتصف فيهم  صفات القرابة، كالعمة، أو الخالة، أو الأختين، ما هو السبيل للتخلص من الوقوع في مثل هذا الأشكال؟

 قالوا: بالقرعة؛ إذ الدليل التقسيم الذي يرجحه الفقهاء على حسب التقسيم الإرثي، فقد أفتى صاحب المسالك في كتابه التحرير بقوله: فإن فقدا معاً أي: الأبوان، فالحضانة للأقارب ويترتبون ترتيب الإرث. ثم قال: وإذا اجتمع قرابة يتساوون في الدرجة، كالعمة والخالة، أو الأختين، أقرع بينهم ، فمن خرجت القرعة له كان أولى بالحضانة.

فقهاء  الحنفية:

قالوا بتقديم النساء في الرتبة الأولى  ومن ثم الرجال في الرتبة الثانية، وتأتي في الرتبة الثالثة حضانة ذوي الأرحام وهي  كمايلي:

1-      مراتب الحواضن من النساء:

الأولى: الأم وأمهاتها وإن علون؛ لأنّ الحضانة عندهم ولاية تستفاد من الأم التي هي أحق الناس بالصغير، لذلك فالنساء من جهتها أولى لأنهن يدلين الصغير بالأم، ولا يشمل ذلك النساء من جهة أب الأم، بل تقدم أم الأب عليهن، وقد روى عن أبي يوسف تقديم أم الأب على أم الأم، وإن كان  هذا القول محل اجتهاد بعض فقهاء الحنفية من المعاصرين على ما ذكره ابن عابدين في كتابة رد المحتار([45]).

الثانية: الجدة من جهة الأب وإن علت، باستثناء أم الأب البعيدة ( من جهة أب الأب) فقيّدت بقيد أم الأم البعيدة نفسه، ويقدم نفر، من الأخوات الشقيقات للأب أو الأم، والأخت للأم، والخالة على أم الأب كونهن يدلين بقرابة الأم، وهي تدلي بقرابة الأب.

 الثالثة: الأخت الشقيقة، فالأخت للأم على الترتيب، ونفر يساوي لإدلائهما بقرابة الأم، ووجوب الأب في الشقيقة لا يؤثر عنده في تقديم الشقيقة على غير الشقيقة، ورد عليه ابن عابدين أن: قرابة الأب وإن كانت لا مدخل لها فيما يعتبر وهو الأداء بالأم، لكنها تصلح للترجيح.

الرابعة:  أخت الابن وفي تقديم الخالة عليها خلاف، كون الخالة تدلي للصغير بأمه ولقوله 1 الخالة والدة.

الخامسة: بنت الأخت الشقيقة، ثم بنت الأخت للأم ، وهما أحق من الخالة على خلاف نقله ابن عابدين عن البحر الزيعي، أن الخالة أحق من بنت الأخت للأب.

 السادسة: الخالة للابن، فالتي للأم ، ثم التي للأب.

السابعة: بنت أخت المحضون للأب، والبعض قدمها على الخالة

الثامنة: بنات أخ المحضون لأبويه، فبنات الأخ للأم، فبنات الأخ للأب.

التاسعة: العمات بتقديم عمة المحضون للأبوين، فالعمة للأم، فالتي للأب.

العاشرة: خالة الأم، فخالة الأب، فعمات الأم، فعمات الأب، بتقديم من تدلي بأم على من تدلي بأب، أما بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا حق لهن في الحضانة لعدم المحرمية([46]).

تفريع على المسألة بخصوص الحاضنين من العصبة:

ويرتكز الفقه الحنفي على طبقة العصبة في تحديد حق الحضانة بعد  فقد الطبقات الأولى، وهي طبقة العصبة التي تقوم عندهم  بدرجة الأهمية بعد فقدان الحواضن من النساء المحرميات وترتيب حضانة العصبة، مثل ترتيب الولاية بعد إكمال سن الحضانة، فيمكن استحقاقهم للحضانة كاستحقاقهم للإرث، الأقرب بالأقرب شرط اتحاد الدين  وعلى المراتب  الآتية:

الأولى: الأب فالجد للأب وإن علا، والثانية: الأخ الشقيق ثم الذي للأب، والثالثة: ابن الأخ الشقيق، فابن الأخ للأب، والرابعة: العم الشقيق، فالذي للأب.

 ولو تساوى من لهم حقّ الحضانة من العصبات في مرتبة واحدة، فمدار الاختيار على الأصلح والأورع والأسن([47]).

مرتبة حضانة ذوي الأرحام:

 وهم من باب الفروض وليسوا من أهل الميراث، ويشترط أن يكون رحماً محرماً عن المحضون، ودورهم بعد فقد العصبات، ومراتبهم كالآتي:

الأولى: جد المحضون لأمه، والثانية: أخ المحضون لأمه، فابن أخيه لأمه، والثالثة: عم المحضون للأم، أي: أخ الأب من أمه، والرابعة: خال المحضون الشقيق، فالخال للأب، ثم الخال للأم.

 وهؤلاء إنّما كان لهم الحقّ في الحضانة عند الإمام أبي حنيفة لأنّهم يدلون بولاية النكاح، وعند تساويهم في المرتبة يرجح الأصلح والأورع والأسن، ولا حضانة لابن العم والعمة مع الأنثى، ولا حضانة مطلقاً لابن الخال وابن الخالة([48]).

فقهاء الشافعية:

تميل الشافعية إلى جعل الحضانة على وفق الحال، والمقصود بالحال هو: تفرد عنصر النساء، أو الرجال بالمحضون، وهذه المرتبة أيضاً لها تفصيلات وهي:

1-       مرتبة تفرد النساء بالمحضون:

ولهذه المرتبة أيضا تقسيمات وهي:

الأولى: الأم ، ثم بنت المحضون ولو كانت له بنت.

 الثانية: أمهات الأم، فأخت المحضون، ثم الخالة ، على رأي لا يعمل به الشافعية المعاصرون ، بل يعملون بالرأي القائل: بأم الأب وإن علت على أخت المحضون وعلى الخالة، ثم لأمهاتها الأقرب فالأقرب.

 الثالثة: أم الجد، ثم أمهاتها وإن علون، فأم أب الجد وإن علت.

الرابعة: عند انعدام أمهات الأبوين، فالحضانة للأخوات، ثم إلى الخالات فالعمات وتتقدم الشقيقة على غيرها، ثم تقدم التي للأم على التي للأب، وقيل بتقديم التي للأب على التي للأم، وتقدم الخالة على بنت الأخ وبنت الأخت.

وتتقدم بنت الأخ وبنت الأخت على العمة، وعلى كل جدة لا ترث، مثل: أم أبي الأم تدلي بذكر بين اثنين، وقيل بعدم استحقاقها الحضانة لإدلائها بأب الأم وليس له الحضانة، وعد الأصح، وقول إنّها تستحق لولاتها، ولكن تتأخر عن جميع المذكورات، ومثل حكمها حكم كل محرم يدلي بذكر لا يرث مثل بنت ابن البنت، وبنت العم الأم، ولا تثبت الحضانة لبنت الخال، أما غير القريب من النساء، كمعتقة قريبة أدلت بذكر غير وارث أو بوارث، أو بأنثى والمحضون ذكر يستغني فلا حضانة لها.

2-       مراتب الرجال في حال عدم وجود النساء:

إذا انعدمت النساء في حال الحضانة، تعود الحضانة إلى الرجال وهي على مراتب:

الأولى: الأب.

والثانية: آباء الأب فالأقرب فالأقرب.

 والثالثة: الأخ الشقيق، فالأخ الأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ الأب، فالعم الشقيق، ثم العم الأب، ثم ابن العم، وقيل: لا حضانة له لفقده المحرمية.

كما أن الشافعية في فقههم المعاصر يعملون بالعصبة في أولوية الحضانة([49]).

إذا اجتمعوا ففي المسألة تفصيل:

أما لو اجتمعوا في وقت واحد وزمان معين، ففي المسألة تفصيل كالتالي:

1-       إذا اجتمع أب المحضون وأمه ، قدمت الأم وأم الأم وإن علت.

2-   إذا اجتمع أب المحضون مع أخت المحضون لأمه أو خاله المحضون، فقيل: الأب أحق وهو المصحح، وهو قول أبي سعيد الاصطخري، أن الأخت والخالة تسقطان بأم الأب وأم الأب تسقط بالأب، فصارت الحضانة له.

3-       إذا اجتمع أب المحضون مع أمه، أو مع أخت المحضون من أبيه، أو مع عمة المحضون قدم الأب عليهن.

4-       إذا اجتمع جد المحضون لأبيه مع أم المحضون أو مع أمه، قدمتا على الجد كما تقدمتا على الأب.

5-       إذا اجتمع جد المحضون لأبيه، مع جدته لأبيه، قدمت الجدة لمساواتهما في الدرجة، وميزتها  بمعرفة الحضانة.

6-   ولو اجتمع جد المحضون لأبيه مع خالة المحضون، أو مع أخت المحضون لأمه، فقيل: بتقديم الجد، وهو الأصح، وقيل: تقدمان لإدلائهما بالأم.

إذا فقد المحضون الآباء والأمهات:

في حال فقد المحضون  الآباء والأمهات ففيها تفصيل أيضا:

1-       النساء (الأخوات والخالات ومن يدلي بهن) أحق من العصبات (الأخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم) لمعرفتهن بالحضانة.

2-       العصبة أحق من النساء لاختصاصهم بالنسب والقيام بتأديب الولد.

3-   ينظر الأقرب إلى المحضون من العصبات، والنساء ممن كان أقرب قدم، ولو استوى الكل قدمت النساء، ولو تساوى اثنان في الحضانة أقرع بينهما إذ لا امتياز لأحد منهما على الآخر.

4-   ولو فقد الحاضن من النساء والعصبات ، وله أقارب من الرجال ذوي الرحم، فقيل: هم أحق من السلطان؛ لأن لهم رجماً، وقيل: السلطان أحق ويستوي في هذا الحكم من يدلي بهم من الذكور والإناث ([50])

فقهاء المالكية:

وفقهاء المالكية أيضاً رتبوا أهل الحضانة على وفق مراتب ، مع مراعاة أقرب المحرمية فيها وفيها تفصيل كما يلي:

الأولى: الأم وأمهاتها على التسلسل التالي:

الأم، فأمها، فجدة أم المحضون من ناحية والد أمها، فجدة والد أم المحضون، فجدة أم والد أم المحضون من الأب ( أم أب أم أب الزوجة)، فخالة المحضون الشقيقة، فالتي للأم، ثم التي للأب، فخالة أم المحضون بتقدم الشقيقة، فالتي للأم، ثم التي للأب، فعمات أم المحضون، تتقدم الشقيقة، ثم التي للأم، فالتي للأب.

الثانية: أمهات الأب، بتقديم من تدلي بأم الأب على من تدلي بأب الأب، وعلى هذا جاء التسلسل التالي :

أم أب المحضون (جدته لأبيه) فأم أب المحضون (جدة أب المحضون لأمه) فأم أب الأب، فأم أم أم الأب( جدة أم الأب من ناحية أمه)، فأم أم الأب (جدة أب الأب لأمه).

تفريع على المسألة المالكية:

كما أن هناك تفريعات أسهب القول فيها فقهاء المالكية في حالة تقديم جدة الأب على الأب نفسه، وهي كما يلي:

قول بتقديم الجدة على الأب، كما ورد في المدونة، وابن عرفه.

 وقول بتقديم الأب على قراباته مطلقاً، ثم بعده وجداته وهذا ما يفهم من قول صاحب المدونة: الذي سمعت من مالك أن الجدة أم الأب أولى من العصبة. وهو يعني أنها ليست أولى من الأب. وقول ثالث: بتقديم قرابات الأب على الأب مطلقاً، ثم عمة أب المحضون، فخالة أب المحضون، ثم بنات الأخوة والأخوات وفيهن أقوال: إنّ لهنّ حضانة ، مع تقديم بنات الأخوة على بنات الأخوات ( كما نقله ابن عرفه عم صاحب المواق) وقيل: أن الحضانة لبنات الأخوة فقط، ولا حضانة لبنات الأخوات، وقيل لبنات الأخوات وهن أحق من بنات الأخوة، وقول أنهن سواء وتراعي الأكثر حرزا وكفاءة، وهو الأظهر كما نقل عن ابن رشد([51]).

حضانة من له حقّ الوصاية:

قالوا: إنّ من له حقّ الوصاية - ذكرًا أو أنثى- له حضانة على المحضون الذكر، وله المحضونة الأنثى غير المطيقة الوطيء؟.

والوصي الأنثى أو المتزوج بأم المحضونة أو جدتها وتليها، له حضانة الأنثى المطيقة؛ لأنّها إحدى محارمه، وإلا فلا.

 قال الإمام مالك: كونها – أي المحضونة الأنثى المطيقة- مع زوج أمها أحب إلى من أن تجعل عند وصيها؛ لأن زوج أمها محرم بخلاف الوصي. وابن عرفة يرى أن الوصي له الحضانة مع عدم المحرمية.

حضانة العصبة:

كما أن لهم رأيًا  في حضانة العصبة  وهي كما يلي:

الأخ، فالجد لأب، فابن الأخ، ثم العم، وقيل: الأخ فالجد وإن علا، ثم ابن الأخ، ثم ابن العم.

وقيل: الأخ، ثم الجد الأدنى، فابن الأخ، فالعم، فابن العم وإن سفل، فأبو الجد، ويمكن أن يسبق بابن العم. وقد اختلف في الجد الأم، فقال ابن رشد: ليس له حضانة كالخال، واللحمي يجعل له حضانة لحنانه وشفقته، فهو أب وإن لم يرد نص، ويفضل جد الأب على جد الأم([52]).

فقهاء الحنابلة:

تمر أحقية الحضانة بثلاث مراتب في الفقه الحنبلي وهي كالتالي:

المرتبة الأولى: الأم وأمهاتها القربى فالقربى، وسبب التقديم مختلف فيه على قولين عند الإمام أحمد: أحدهما: إنّه بسبب الأمومة، فتقديم معها أقاربها من النساء، والثاني: إنّها قدّمت؛ لأنها أنثى، وعدَّ الأصلح، واختاره ابن تيمية، كما نقله ابن القيم في كتابه زاد المعاد بقوله: إنّ هذا يدل على تقديم جهة  الأبوة على جهة الأمومة، وإن الأم إنما قدمت لكونها أنثى لا لتقديم جهتها على جهة الأبوة، ثم يقول: إنّ أصول الشرع وقواعد شاهدة على تقديم جهة الأب على جهة الأم؛ ذلك في الميراث وولاية النكاح وغير ذلك، ولم يعهد في الشرع تقديم قرابة الأم على قرابة الأب في حكم من الأحكام([53]).

المرتبة الثانية: حضانة الأصول: وهم: الأب، ثم أمهاته، فالجد للأب فأمهاته، فجد فأمهاته، فالأخوات بتقديم الشقيقة، ثم التي للأم، ثم التي الأب ( وهو ما جرى عليه عند الأحناف) على أن الإمام أحمد يقول: يتوسط الأخت للأب لقولها في الميراث، وهو قول الشافعي، ويحتج ابن قدامه لذلك بقوله: وما ذكروه من الأداء لا يلزم؛ لأنّ الأخت تدلي بنفسها لكونهما خلقا من ماء واحد، ولهما تعصيب فكانت أولى، ثم  تكون الحضانة للخالات ويتقدمن على العمات وهو قول الإمام أحمد، وقال الخرقي: بتقديم العمات على الخالات؛ لحملها على الأخت للأب التي تقدمت على الأخت للأم للتعصيب([54])

المرتبة الثالثة: وهم: ذوي العصبة، وتثبت لهم الحضانة، كالأب على الترتيب التالي:

الجد من الأب وإن علا، فالأخ الشقيق، ثم للأب، فبنوهم على ترتيب الميراث، فالعمومة فبنوهم، فعمومة الأب فبنوهم، وهو قول للشافعي أيضاً مع أن أصحاب الشافعي لا يجعلونة لغير الآباء والأجداد.

 وقد اختلفوا في تسليم المحضونة من الأنثى لابن العم؛ لعد المحرمية فقيل بتسليمها، وقول آخر: بإنّها تسلم قبل السبع كونها ليست محلاً للشهوة، أما بعد ذلك فلا.

 وقالوا بتقديم الأنثى عند حضانة درجة القرابة، ولو تساويا في كل شيء أقرع، مع وجود أحد أهل الحضانة، فلا حضانة لذوي الأرحام؛ لأنّ صاحب الرحم ليس امرأة تتولى الحضانة وليس له قوة قرابة كالعصبات.

المستحقون للحضانة  عند المسيحية:

تؤكد المصادر الشرعية للمسيحية على أنها تعطي النساء الحقّ الأول في الحضانة، واختلفت أقوالهم في  بعض الطوائف فيمن يتولى الحضانة بعد الأم، فبعضهم جعلها لنساء الأم، ومنهم من جعلها للأب، وبعضهم حددها بدرجة قربى معينة لا تتجاوزها.

 فذهبت الطائفة السريانية الأرثوذكس إلى القول: إنّ الحضانة من حقّ الأم، إلاّ إذا سقطت عنها تنتقل للأب ما لم يكن متعدياً في الفسخ، أو سيئ التصرف، ثم حال انعدم الأبوين يقوم أولياؤهما مكانهما.

وأما طائفة الكاثوليك رتبوا أهل الحضانة كما يلي: بأنّ الحضانة أولاّ للأم فمن يليها في القرابة في جهتها، شرط أن لا تتعدى القرابة الدرجة الثالثة، ثم تكون للعصبات بترتيب الأولوية في الميراث.

أما طائفة البرتستانت، فالحضانة عندهم: للأم ثم لأم الأم، فالأب، ثم الأقرب فالأقرب من أقرباء الأب، ثم أقرباء الأم([55]).

الهوامش:



(1) مجلة القانون المدني، العدد187، مصر.

([2]) سورة البقرة: 233.

([3]) سورة الأنفال: 75.

([4]) سورة آل عمران: 44.

([5]) سورة النساء: 141. 

([6]) وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج 15، ص159، باب أحكام الأولاد.

([7]) المصدر السابق: ج15، ص159.

([8]) المصدر السابق.

([9]) القاموس المحيط: ج 4 ،ص 215، باب النون، فصل الحاء، ولسان العرب، ابن منظور: ج 13 ،ص 124، والصحاح، الجوهري: ج 5 ،ص 2102، ومعجم لغة الفقهاء: ج 1 ،ص 181، د. القلعجي.

([10]) فقه الإمام الصادق $، الشيخ مغنيه: ج 5 ، ص 310.

([11]) أحكام الطفل في الفقه الإسلامي، المحقق اللنكراني: ج1 ،ص 300، الطبعة الأولى، طبعة مكتب شؤون المراجعية الخاصة بسماحته.

([12]) قواعد الأحكام، كتاب النكاح: ج2،ص 51.

([13]) مسالك الأفهام: ج8 ، ص421.  

([14]) رياض المسائل: ج7، ص240.

([15]) جواهر الكلام: ج31، ص283 ـ 284 الشيخ محمد حسن النجفي.

([16]) كشف اللثام: ج7 ، ص 549.

([17]) الحدائق الناضرة: ج25 ،ص83 .

([18]) جواهر الكلام: ج31،ص283 .

([19]) انظر: كشف اللثام، ج7 ،ص549.

([20]) انظر: الحدائق الناضرة: ج25، ص83.

([21]) المسالك: ج1 ،ص234.

([22]) مسالك الأفهام: ج4 ،ص421.

([23]) فقه الإمام الصادق $، جواد مغنية: ج5 ،ص312.

([24]) النجفي، حسن، جواهر الكلام: ج27 ،ص293.

([25])وكتاب حاشية الدسوقي: ج 2 ،ص 596، على كتاب الدردير.

([26]) راجع التعاريف السابقة في كتاب المغني لأبن قدامه: ج 8 ،ص297، وكتاب حاشية الدسوقي: ج 2 ،ص 596، على كتاب الدردير.

([27])القاموس الفقهي، مرعي: ج 1 ،ص74 .

([28]) الفقه: كتاب الحقوق، ج 100 ،ص 8، آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي.

([29]) ناقش هذه الشبهة، العلامة مغنية في كتابه الأصول في ثوبه الجديد: ص 66، فراجع.

([30]) الفقه،كتاب النكاح: ج 68، ص 134، آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي.

([31]) الروضة البهية، العاملي: ج 5 ،ص436 .

([32]) المبسوط، الإمام شمس الدين السرخسي، ج5 ،ص207.

([33]) المبسوط، السرخسي: ج 5 ،ص 208-229، مجموعة رسائل ابن عابدين رسالة الإبانة: ج 1 ،ص 264.

([34]) الحضانة بين الشريعة والقانون، د. عليوي ناصر: ص 33.

([35]) راجع ما ذكره الرهوني في حاشيته على كتاب مختصر خليل: ج 4 ،ص 250.

([36]) الاشباه والنظائر، السيوطي: ص154.

([37]) راجع: الحضانة بين الشريعة والقانون: ص 35.

([38]) راجع: كتاب الأحوال الشخصية لغير المسلمين، لتوفيق فرج: ص 979.

([39]) مكارم الأخلاق: ص 232

([40]) جواهر الكلام، ج 31، ص 291.

([41]) سورة الأحزاب: 6.

([42]) وسائل الشيعة: ج 15 ،ص183، أبواب أحكام الأولاد .

([43]) المستدرك: ج 2 ،ص 624، باب 52.

([44]) الفقه:كتاب النكاح، ج 68، ص 173.

([45]) رد المختار، ابن عابدين: ج2 ، ص63.

([46]) راجع: الحضانة بين الشريعة والقانون: ص 46، وبدائع الصنائع، الكاساني: ج 5 ، ص 359.

([47]) المصدر السابق.

([48]) المصدر السابق.

([49]) شرح المهذب، د. محمد المطيعي، ج 17 ، ص 168.

([50]) ولعلّنا إذا راجعنا المصنفات الفقهية التي تحدثت بشكل مسهب عن هذا الموضوع نجد فيها المزيد من التفصيلات، ولكننا اكتفينا بعرض أهم المسائل التي تختص بهذا الحكم. راجع كتاب الأم للإمام الشافعي: ج3 ، ص90-100، والمهذب: ج2 ،ص 170.

([51]) راجع: المدونة، الإمام مالك: ج 2 ،ص 357، وحاشية الدسوقي على الدردير: ج 2 ،ص597.

([52]) راجع: زاد المعاد، ابن الجوزية: ج 4 ص 314، والمغنى، ابن قدام: ج 8 ص 546.

([53])زاد المعاد، ابن الجوزية: ج 4 ص 341

([54]) المغني، ابن قدامة: ج 8 ص 546.

([55]) راجع: الأحوال الشخصية لغير المسلمين، دسمير تناغو: ص357.

صورة عشوائية
صور ندوة فقه التعايش في الشريعة الإسلامية
صور ندوة فقه التعايش في الشريعة الإسلامية